| عبده مواسم | |
| منذ مشاهدتي لفيلم "كابوريا" والوجه الجديد نسبياً حينها محمد لطفي ، وأنا أسأل نفسي ، لماذا لا يستغل المخرجون ذلك الممثل بطريقة مثالية ، لأن تكوين لطفي الجسماني وملامحه المصرية الخالصة تؤهله لتجسيد العديد من الأدوار في أفلامٍ تفتقدها الخريطة السينمائية. | |
| وعندما تطايرت الأنباء عن فيلمه الذي يقدمه بطلاً مطلقاً للمرة الأولى وعن قصته استبشرت خيراً ، لعل الحظ يتحالف مع ذلك الممثل المثابر ، ومع السينما التي بدأت تستعيد أنواعاً من الأفلام نسيتها بعد موجة كوميدية عالية كادت أن تغرق الصناعة كلها ، ولكن ظل التساؤل : هل سيكون لطفي ورفاقه بالشجاعة الكافية لمواجهة موسم عيد الفطر بفيلم بعيد عن الكوميديا؟ ، خاصة وأنها خطوة لم نألفها إلا من جهات إنتاجية مغامرة. | |
| وكانت بداية الفيلم خير إجابة ، إذ حاول وائل شركس تجميع كافة عناصر الفيلم وشخصياته فيها ، عبده ملاكم الموالد الذي يمارس هوايته بشكل احتراف ، وصديقته ربيبة شارع محمد علي ، والتي تثير بوزنها الزائد الضحك وهي تتمايل ببدلة الرقص ، ورفيقه ومدربه "طعمية" ضئيل الحجم ، والمغني الأسمر خميس. | |
| وفق شركس في بدايته إلى حدٍ بعيد ، ليقنعنا بأن فيلمه إجتماعي لكنه كوميدي أو هكذا أراده ، وكان نقلنا إلى العالم المختلف للأغنياء ممثلين في الباحثة سلمي وعائلتها الأرستقراطية في توقيت رائع ، خاصة بالفصل بينه وبين عالم عبده بمقدمة الفيلم الموسيقية. | |
| ما بين العالمين كان أحمد ثابت موفقاً في رسم ملامح كل عالم على حده ، أبرز كرم وشهامة عبده باعتباره ابن بلد أصيل ، وعلاقته بجاره علي رسام الفن التشكيلي ، وحياة الأخيرالمهددة باليأس ، وفي المقابل سلمى وصديقتها روني الصحفية الثرية ، وأستاذها في الكلية الدكتور طلعت بعالمه الرياضي. | |
| تمكن شركس من التأكيد على تفاصيل كل عالم بصورة جيدة ، بل واستطاع كثيراً كسر حدة الملل عند المشاهد بكوميديا الشارع الشعبي لعبده وأهله ، لكن ما أخفق فيه بشدة كان خلق التواصل بين العالمين ، والذي تمثل في العلاقة الفردية بين عبده وسلمى ، وعلي وروني. | |
| فما كانت ترتديه البطلتان في الشوارع والساحات الشعبية ، لا يتفق مع الواقع ومع الشخصيات التي رسمها الفيلم ، وطريقة التعامل نفسها حصرت الفتاتين في حيز البنت "الهاي" التي تنظر للحارة الشعبية وكأنها فقرة في ملاهي ترفيهية تزورها للمرة الأولى على حساب "دادي". | |
| رفضي الشديد لهذه النقطة يأتي لأن شخصية سلمى شخصية متفتحة ، وفتاة ملاكمة تتعامل مع رجال "خشنين" طوال الوقت ، مثل تلك الشخصيات تعلم كيف يصبح تعاملها شكلاً ومضموناً في غير بيئتها ، والأكثر منها "الصحفية" روني ، وأنا لا أعرف من أين جاء صناع الفيلم بهذه الصورة عن الصحفيات ، فالصحافة على مر تاريخها عرفت صحفيات لامعات و"بنات ناس" ، لكنهن لا يتكلمن أو يلبسن مثلما ظهرت روني عندما يذهبن إلى تلك المناطق ، على العكس ما كان من انتقال عبده لعالم سلمى ، منطقياً وردود أفعاله طبيعية. | |
| الأمر الذي أحيي عليه المخرج والمؤلف هو وقوع عبده في حب سلمى ، وعدم مبادلتها لهذا الحب ، لأن هذا أخرج الفيلم من الشكل التقليدي ، خاصة أن قصة الحب الأخرى ما بين روني وعلي منطقية إلى حدٍ كبير ، فعلي مهما كان فقيراً إلا أنه مثقف وثري على المستوى الانساني. | |
| لقطات المباريات والتدريب بشكل علمي لعبده كانت مقنعة إلى حدٍ كبير ، وإن ظلت حركات يديه الأفقية في المباراة النهائية تضحكني كلما تذكرتها ، إلا أن تركيبه الجسماني وتعبيرات وجهه كانت تغطي عدم احترافه للملاكمة بشكل كبير. | |
| شخصية "طعمية" همشت علاقتها الدافئة مع عبده ، والتي وضحت في بداية الفيلم ، لتختفي طوال الوقت ، قبل أن تظهر في "اسكتش" سخيف مع انسان قزم ، سئمت سخرية السينما والمسرح منه ، وأرى أن طعمية كانت تستوعب قدراً أكبر من الإنسانية ، خاصة وأن الممثل سليمان عيد يملك موهبة مدفونة في الشخصيات الثانوية التي يحبسه فيها المنتجون والمخرجون. | |
| مها أحمد بدورها ليلى أدت ما عليها ، وإن ظلت علاقتها مع خميس أو شاندو ما بين جذب وشد ، ولنا وقفة عند الأخير فصوت شاندو أنا شخصياً من المعجبين به ، وأرى فيه خامة تستطيع تقديم نوعية جيدة خاصة الفلكلور النوبي ، ولا أراه محبوساً في فلك الفنان محمد منير ، لكنه لم يستطع إقناعي به ممثلاً ، لأنه أشعرني وكأنه يسمع كلماته ، ويداه متدليان إلى جواره ، بلا أي تعبير صوتي أو بملامحه. | |
| شركس قدم أوراق إعتماده في هذا الفيلم كمخرج جيد ، لكن عليه في أفلامه القادمة التحرر من شخصية الفنان نفسه ، وإعطاء كل شخصية حقها ، بلا إقحام أو إجحاف حق شخصية على حساب الأخرى ، , وعليه مراعاة بعض الهفوات البسيطة ، فمثلاً أبناء الساحات الشعبية لا يرتدون ملابس رياضية بماركات عالمية! | |
| التقييم العام : 3 |